السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

803

مختصر الميزان في تفسير القرآن

موته ، ومن أدرك ذلك آمن به إيمانا اضطرارا أو اختيارا . على أن الأنسب بوقوع هذه الآية « وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ » ، فيما وقع فيه من السياق أعني بعد قوله تعالى « وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ - إلى أن قال - بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً » أن تكون الآية في مقام بيان أنه لم يمت وأنه حي بعد إذ لا يتعلق ببيان إيمانهم الاضطراري وشهادته عليهم في غير هذه الصورة غرض ظاهر . فهذا الذي ذكرناه يؤيد كون المراد بإيمانهم به قبل الموت إيمانهم جميعا به قبل موته عليه السّلام . وبالجملة ، الذي يفيده التدبير في سياق الآيات وما ينضم إليها من الآيات المربوطة بها هو أن عيسى عليه السّلام لم يتوفّ بقتل أو صلب ولا بالموت حتف الأنف على نحو ما نعرفه من مصداقه - كما تقدمت الإشارة إليه - وقد تكلمنا بما تيسر لنا من الكلام في قوله تعالى : يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ ( آل عمران / 55 ) في الجزء الثالث من هذا الكتاب . قوله تعالى : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ الفاء للتفريع ، وقد نكّر لفظ الظلم وكأنه للدلالة على تفخيم أمره أو للإبهام ، إذ لا يتعلق على تشخيصه غرض مهم وهو بدل مما تقدم ذكره من فجائعهم غير أنه ليس بدل الكل من الكل كما ربما قيل ، بل بدل البعض من الكل ، فإنه تعالى جعل هذا الظلم منهم سببا لتحريم الطيبات عليهم ، ولم تحرّم عليهم إلا في شريعة موسى المنزلة في التوراة ، وبها تختتم شريعة موسى ، وقد ذكر فيما ذكر من فجائعهم ومظالمهم أمور جرت ووقعت بعد ذلك كالبهتان على مريم وغير ذلك . فالمراد بالظلم بعض ما ذكر من مظالمهم الفجيعة فهو السبب لتحريم ما حرّم عليهم من الطيبات بعد إحلالها . ثم ضم إلى ذلك قوله « وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً » وهو إعراضهم المتكرر عن سبيل اللّه « وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ » .